خلف أبواب الحياة المغلقة، كثيراً ما نطرح على أنفسنا ذلك السؤال الذي حيّر الفلاسفة والعقول عبر التاريخ: "إذا كان هذا الكون محكوماً بالعدل والرحمة، فلماذا نرى كل هذا الألم؟ لماذا توجد الحروب والمجاعات والمجازر البشرية التي تبدو أحياناً للوهلة الأولى بلا سبب؟".
في الحقيقة، عندما نقف أمام هذه المعضلة فإننا نرتكب خطأً عفوياً؛ فنحن ننظر إلى الكون الشاسع والفسيح من خلال "ثقب إبرة" ضيق للغاية، وهو عقلنا البشري المحدود بالزمان والمكان. تماماً كمن ينظر إلى لوحة من بعيد، فيرى فيها بقعة سوداء، فتبدو له اللوحة بشعة، ولكن عندما يقترب منها يكتشف أنها جزء لا يتجزأ من تكوين الفن التشكيلي الكلي للوحة.
إن فهمنا لمعنى العدالة والشر يحتاج منا أولاً أن نعترف بقصور رؤيتنا التي ننظر بها للأمور، والتي تبدو للوهلة الأولى أنها عبث، ولكنها قد تحمل في طياتها عمقاً وحكماً أكثر بكثير مما نظن.
ما هو مفهوم العدالة؟
من جهة نظرنا، يجب أن نعلم أن كل شخص يختلف مفهوم العدالة لديه عن الآخر ببساطة شديدة؛ لأنه لا يوجد تعريف أكاديمي ثابت في الكتب يحدد معنى العدالة بشكل يرضي الجميع، ولكن كل شخص يفهمها بخبرته في الحياة ونظرته للدنيا، والتي قد تحمل نظرة سوداوية أو نظرة وردية يعرف من خلالها مفهومه الخاص.
لكن لو نظرنا لمفهوم العدالة الإلهية، يجب أن نقف وقفة تأمل؛ لأنها ميزان لا نرى كل فتيه..
فالعدالة الإلهية لا تعمل وفق منظورنا البشري الضيق الذي يطلب المكافأة الفورية ويرى في كل ابتلاء ظلماً، بل هي حكمة كليّة ترى الصورة كاملة بمستقبلها وماضيها.
ومن هنا يظهر مفهوم "الشر النسبي"؛ فالألم والمرض اللذان نراهما شراً، هما الدافع وراء تطور الطب وإنقاذ ملايين الأرواح، وهما اللذان يظهران أجمل ما في البشر من رحمة وتكافل وشجاعة. فبدون وجود المعاناة، لم نكن لنعرف أبداً قيمة الصحة أو معنى الفضيلة.
كما أن هذه العدالة تقتضي وجود "الإرادة الحرة" للإنسان؛ فجزء كبير من الحروب والظلم في العالم هو نتاج اختيارات البشر أنفسهم. ولو منعت القوة الإلهية كل ظالم في لحظتها، لتحولنا إلى آلات مبرمجة بلا حرية اختيار. إن وجود هذه المساحة من التحديات في الدنيا هو الثمن الذي يدفعه العالم مقابل ميزة "الحرية"، على أن تأتي العدالة المطلقة لتسوية كل الحسابات في النهاية. اليقين وقصور الرؤية
في النهاية، ليس المطلوب منا أن نفهم كل تفاصيل الحكمة الكونية، بل أن نعترف بحدود عقولنا وأبصارنا. إن الإيمان بالعدالة الإلهية لا يعني غياب الأسئلة، بل يعني اليقين بأن خلف كل غموض حكمة، وخلف كل ألم نراه شراً بقعة نور لا نزال أقصى من أن نراها الآن.
عندما نتوقف عن تقييم الكون من خلال "ثقب الباب"، سينزاح العبء عن عقولنا، وندرك أن الحياة ليست عبثاً، وأن الميزان دقيق جداً.. حتى وإن لم نرَ كفتيه في هذه اللحظة.


في الحقيقة أن المصائب التي يبتلى بها الأنسان هي ليست مطلقة، بمعنى أن الله يبتلي الأنسان ببلاء "قليل" ليختبر صبره على بلاء الدنيا ويرى في البلاء جزء من بلاء الأخرة
كما قال في سورة البقرة
"وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ"
فقد ذكر كلمة بشيء هو الشيء القليل فقط ليرى صبر الأنسان وقدوة تحمله